ابن حمدون
276
التذكرة الحمدونية
فأجيء بالأسيرين . فوكل به من أمره بالطواف معه في عسكره والاحتفاظ به . فما زال الشيخ يطوف ويتصفح الوجوه حتى مرّ برجل من بني كلاب قائما يحسّ فرسا له ، فقال له : يا فتى اضمنّي للأمير ، وقصّ عليه القصة ؛ قال : أفعل . وجاء به معه إلى مسلمة وضمنه فأطلقه . فلما مضى قال : أتعرفه ؟ قال : لا واللَّه ! قال : فلم ضمنته ، قال : رأيته يتصفّح الوجوه فاختارني من بينهم ، فكرهت أن أخلف ظنّه . فلما كان من الغد عاد الشيخ ومعه أسيران من المسلمين شابان ، فدفعهما إلى مسلمة ، وقال : يأذن الأمير أن يصير معي إلى حصني لأكافئه على فعله بي ، فقال مسلمة للفتى الكلابي : إن شئت فامض معه . فلما صار إلى حصنه قال له : يا فتى تعلم واللَّه أنّك ابني . قال : وكيف أكون ابنك وأنا رجل من العرب مسلم وأنت رجل من الروم نصراني ؟ قال : أخبرني عن أمّك ما هي ؟ قال : رومية ؛ قال : فإني أصفها لك ، فباللَّه إن صدقت إلا صدقتني ؛ قال : أفعل . فأقبل الرومي يصف أمّ الفتى ، فما خرم شيئا منها ؛ قال : هي كذلك فكيف عرفت أني ابنها ؟ قال : بالشّبه وتعارف الأرواح ، وصدق الفراسة ، ووجود شبهي فيك ؛ ثم أخرج إليه امرأة فلما رآها الفتى لم يشكّ أنّها أمّه لشدّة شبهها به ، وخرجت معها عجوز كأنها هي ؛ فأقبلتا تقبّلان رأس الفتى ؛ وقال الشيخ : هذه جدّتك وهذه خالتك . ثم اطَّلع من حصنه ، ودعا بشباب في الصحراء ، وكلَّمهم بالرومية ، فجعلوا يقبّلون رأسه ويده ؛ قال الشيخ : هؤلاء أخوالك وبنو خالاتك وبنو عمّ والدتك ؛ ثم أخرج حليّا كثيرا وثيابا فاخرة ، فقال : هذا لوالدتك عندنا منذ سبيت ، فخذه فادفعه إليها ، فإنها ستعرفه ؛ ثم أعطاه لنفسه مالا كثيرا وثيابا جليلة ، وحمله على عدّة دواب وبغال ، وألحقه بعسكر مسلمة وانصرف . وأقبل الفتى قافلا حتى دخل منزله وأقبل يخرج الشيء بعد الشيء ممّا عرّفه الروميّ أنه لأمّه ، فتراه فتبكي فيقول لها : قد وهبته لك ؛ فلما أكثر عليها قالت : يا بنيّ ، أسألك باللَّه من أيّ بلد صار إليك هذا الحليّ وهذه